الصالحي الشامي

113

سبل الهدى والرشاد

دار عمل ؟ وأجاب القاضي وتبعه السبكي بجوابين : الأول : إنا نقول : إنهم كالشهداء بل أفضل ، والشهداء أحياء عند ربهم ، فلا يبعد أن يحجوا وأن يصلوا كما ورد في الحديث الآخر ، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها ، وتعقبها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل ، وحاصله أن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور . الثاني ولفظه للسبكي رحمه الله تعالى : " إنا نقول إن المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف ، وقد تحصل الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها والخضوع لله تعالى . ولهذا ورد أنهم يسبحون ويدعون ويقرأون القرآن وانظر إلى سجود النبي صلى الله عليه وسلم وقت الشفاعة ، أليس ذلك عبادة وعملا ؟ وعلى كلا الجوابين لا يمتنع حصول هذه الأعمال في مدة البرزخ " . وقد صح عن ثابت البناني التابعي أنه قال : " اللهم إن كنت أعطيت أحدا أن يصلي في قبره فأعطني ذلك " . فرؤي بعد موته يصلي في قبره . ويكفي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لموسى قائما يصلي في قبره ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء لم يقبضوا حتى خيروا بين البقاء في الدنيا وبين الآخرة فاختاروا الآخرة . ولا شك أنهم لو بقوا في الدنيا لازدادوا من الأعمال الصالحة ثم انتقلوا إلى الجنة ، فلو لم يعلموا أن انتقالهم إلى الله تعالى أفضل لما اختاروه ، ولو كان انتقالهم من هذه الدار يفوت عليهم زيادة فيما يقرب إلى الله تعالى لما اختاروه . انتهى ولهذا مزيد بيان يأتي في باب حياته في قبره صلى الله عليه وسلم . التنبيه الثامن عشر : هذه الصلاة التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، الصواب أنها الصلاة المعروفة لأن النص يحمل على حقيقتها الشرعية قبل اللغوية إلا إذا تعذر حمله على الشرعية ، ولم يتعذر هنا فوجب حمله على الشرعية . وعلى هذا قال بعضهم : " كانت الصلاة التي صلاها العشاء " وقال بعضهم : " إنها الصبح " . قلت : وليسا بشئ سواء قلنا صلى بهم قبل العروج أو بعده لأن أول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس مطلقا الظهر بمكة باتفاق ، ومن حمل الأولية على مكة فعليه الدليل ، والذي يظهر والله تعالى أعلم أنها كانت من النفل أو كانت من الصلاة المفروضة عليه قبل ليلة الإسراء ، وفي فتاوى النووي ما يؤيد الثاني . التنبيه التاسع عشر : قال بعضهم : ورؤيته إياهم صلى الله عليه وسلم في السماء محمولة على رؤيته أرواحهم إلا عيسى ، لما صح أنه رفع بجسده ، وقد قيل في إدريس أيضا ذلك . وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح خاصة ، ويؤيده ما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، عند الحاكم والبيهقي ، " فلقي أرواح الأنبياء " ، وفيه دليل على تشكل الأرواح